حسين بن فخر الدين ( ابن معن )
69
التمييز
ولما عزل عمر رضي اللّه عنه زيادا « 1 » عن كتابة أبي موسى الأشعري « 2 » في بعض قدماته ، قال له زياد : أعن عجز أم عن خيانة يا أمير المؤمنين ؟ . قال : لا عن واحدة منهما ولكن أكره أن أحمل على النّاس فضل عقلك فجنحت إلى عزلك « 3 » . وكان من دعاء السلف : اللهمّ إنّي أعوذ بك من طول الغفلة وافراط الفطنة ، ربّ فطنة أدّت إلى فتنة وربّ ذكيّ أحرقه نار ذكائه . شعر ( الوافر ) / 17 أ / رأيت العقل ينفع وهو قصد ويلقي في المهالك إذ يزيد كمثل الماء يروى منه قدر ويقتل منه بالغرق المزيد ومثل الدّرع إن خفّت أجنّت وان ثقلت فصاحبها جهيد ومن زعم أنّ العقل المكتسب إذا زاد لا يكون فضيلة يقول : أن الفضائل هيئة متوسطة وما جاوز التوسط « 4 » خرج عن حدّ الفضيلة ، كما أنّ الكرم بين البخل والتبذير والشجاعة بين التهور والجبن . قالت الحكماء للاسكندر : عليك بالاعتدال في كلّ الأمور ، فإنّ الزيادة عيب والنقصان عجز وخير الأمور أوساطها ، إليه يرجع العالي ومنه يلحق التالي . والعقل حجاب من حيث نظره الفكري لأنّ القوّة المفكرة تداخلها الخيال والوهم
--> ( 1 ) هو زياد ابن أبيه ( ت 53 ه / 673 م ) أمير ، من الدهاة ، ومن قادة الفتح ومن الولاة ، كان كاتبا للمغيرة ابن شعبة ثم لأبي موسى الأشعري أيام امرته على البصرة ، ولي فارس أيام خلافة علي بن أبي طالب ، وبعد وفاة علي الحقه معاوية بنسبه وولاه البصرة والكوفة وسائر العراق وبقي إلى أن توفي . وفيات الأعيان 6 / 356 - 367 ؛ تهذيب ابن عساكر 5 / 409 - 426 . ( 2 ) هو أبو موسى عبد اللّه بن قيس بن سليم من بني الأشعر ( ت 44 ه / 665 م ) من الشجعان الفاتحين ، وكان أحد الحكمين اللذين رضي بهما علي ومعاوية بعد حرب صفين ، ولد في زبيد وقدم مكة عند ظهور الاسلام ، وكان من الذين هاجروا الهجرة الأولى ، ثم استعمله الرسول ( ص ) على زبيد وعدن ، وولي في عهد عمر البصرة سنة 17 ه فافتتح أصبهان والأهواز ، ولما ولي عثمان أمّره عليها ، ثم ولي الكوفة . انظر طبقات ابن سعد 4 / 79 ؛ الإصابة 2 / 359 - 360 ؛ غاية النهاية 1 / 442 ؛ صفوة الصفوة 1 / 225 ؛ حلية الأولياء 1 / 256 . ( 3 ) انظر الوزراء والكتاب ، ص 19 - 20 . ( 4 ) جاءت في داماد إبراهيم 945 : الوسط .